الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

مختصر الامثل

ومن الممكن أن يعود كلا المعنيين إلى أصل واحد ، لأنّ الثواب والعقاب يحلّان محل العمل وينوبان عنه ، وهما بمقداره أيضاً - تأمّلوا ذلك - . على كل حال ، فإنّ كل إنسان في ذلك اليوم مشغول بنفسه ، ومبتلى بمعطيات أعماله وآثارها إلى درجة أنّه لا ينظر إلى أحد ولا يهتم به ، حتى وإن كان أبوه ، أو ابنه الذي كانت تربطه به أقرب الروابط ، فلا يفكّر أحد بآخر مطلقاً . وتحذّر الآية في النهاية البشر من شيئين ، فتقول : « إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ » . أي الشيطان . في الواقع ، يلاحظ هنا نهيان في مقابل الأمرين اللذين كانا في بداية الآية ، فإنّ الإنسان إذا نمت فيه مسألة التوجه إلى اللَّه ، والخوف من الحساب والجزاء ، فلا يخاف عليه من الانحراف والفساد ، إلّامن طريقين : أحدهما : أن تقلب زخارف الدنيا وزبرجها الحقائق في عينيه بصور أخرى ، وتسلب منه القدرة على التشخيص ، لأنّ حبّ الدنيا رأس كل الخطايا وأساسها . والآخر : أن تخدعه وساوس الشيطان وتغرّه ، وتبعده عن المبدأ والمعاد . فإذا أغلق طريقي نفوذ المعصية والذنب هذين ، فسوف لا يهدّده أيّ خطر ، وعلى هذا فإنّ الدساتير والبنود الأربعة أعلاه تمثّل مجموعة كاملة من برنامج نجاة وخلاص الإنسان . وفي آخر آية من هذه السورة ، وبمناسبة البحث الذي جاء في الآية السابقة حول يوم القيامة ، يدور الكلام عن العلوم المختصة باللَّه سبحانه ، فتقول : « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ » ومطّلع على جميع جزئياته وتفاصيله . . . « وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » . فكأنّ مجموع هذه الآية جواب عن سؤال يطرح في باب القيامة ، وهو نفس السؤال الذي سأل المشركون به النبي صلى الله عليه وآله مراراً وتكراراً ، وقالوا : « مَتَى هُوَ » « 1 » . فيجيبهم القرآن عن سؤالهم ، ويقول : « إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا » « 2 » . « نهاية تفسير سورة لقمان »

--> ( 1 ) سورة الإسراء / 51 . ( 2 ) سورة طه / 15 .